أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول: ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع ، وقسوة القلب ودناءة الهمة ، حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم .
ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء: 23 ] .
قوله تعالى: { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } .
إعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الطاقة اسم من الإطاقة ، كالطاعة من الإطاعة ، والجابة من الإجابة وهي توضع موضع المصدر .
المسألة الثانية: من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم يكن جائزًا لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى .
أجاب المعتزلة عنه من وجوه الأول: أن قوله { مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أي يشق فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلًا له . قال الشاعر:
إنك إن كلفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرك مني من خلق
وفي الحديث أن النبي A قال في المملوك: « له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق » أي ما يشق عليه ، وروى عمران بن الحصين أن النبي A قال: « المريض يصلي جالسًا ، فإن لم يستطع فعلى جنب » فقوله: فإن لم يستطع ليس معناه عدم القوة على الجلوس ، بل كل الفقهاء يقولون: المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة ، وقال الله تعالى في وصف الكفار { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } [ هود: 20 ] أي كان يشق عليهم .
الوجه الثاني: أنه تعالى لم يقل: لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ، بل قال: { لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله { لا تُحَمّلْنَا } حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله { لا تُحَمّلْنَا } مجازًا فيه ، فكان الأول أولى .