فهرس الكتاب

الصفحة 1606 من 8321

{ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } [ البقرة: 70 ] وقال في وصف ثمار الجنة { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } [ البقرة: 25 ] أي متفق المنظر مختلف الطعوم ، وقال الله تعالى: { تشابهت قُلُوبُهُمْ } [ البقرة: 118 ] ومنه يقال: اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه ، وقال عليه السلام: « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات » وفي رواية أخرى مشتبهات .

ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال: إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساويًا للحكم بعدمه في العقل والذهن ، ومشابهًا له ، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول:

الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول:

اللفظ الذي جعل موضوعًا لمعنى ، فإما أن يكون محتملًا لغير ذلك المعنى ، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعًا لمعنى ولا يكون محتملًا لغيره فهذا هو النص ، وأما إن كان محتملًا لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحًا على الآخر ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحًا على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولًا ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معًا مشتركًا ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملًا ، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصًا ، أو ظاهرًا ، أو مؤولًا ، أو مشتركًا ، أو مجملًا ، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم .

وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة ، وإن لم يكن راجحًا لكنه غير مرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعًا وقد بينا أن ذلك يسمى متشابهًا إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهًا للإثبات في الذهن ، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقًا لاسم السبب على المسبب ، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه ، ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ، فههنا يتوقف الذهن ، مثل: القرء ، بالنسبة إلى الحيض والطهر ، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحًا في أحد المعنيين ، ومرجوحًا في الآخر ، ثم كان الراجح باطلًا ، والمرجوح حقًا ، ومثاله من القرآن قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت