وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى: { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } فالمراد به هو القرآن { مِنْهُ آيات محكمات } وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية ، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها .
ثم قال: { هُنَّ أُمُّ الكتاب } وفيه سؤالان:
السؤال الأول: ما معنى كون المحكم أمًا للمتشابه؟ .
الجواب: الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل: أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال: إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم: 35 ] محكمًا لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله: عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم .
السؤال الثاني: لم قال: { أُمُّ الكتاب } ولم يقل: أمهات الكتاب؟ .
الجواب: أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } [ المؤمنون: 50 ] ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا .
ثم قال: { وَأُخَرُ متشابهات } وقد عرفت حقيقة المتشابهات ، قال الخليل وسيبويه: أن { أُخر } فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أُخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأُخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع من أو بالألف واللام ، فيقال: زيد أفضل من عمرو ، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل ، فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو ، أو يقال: زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ من لأن لفظه اقتضى معنى من فاسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن ، فسقط الألف واللام أيضًا فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أُخر فأخر جمعه ، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها .
ثم قال: { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } إعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه ، والزيغ الميل عن الحق ، يقال: زاغ زيغًا: أي مال ميلًا واختلفوا في هؤلاء الذين أُريدوا بقوله { في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } فقال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله A في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه قال: بلى . فقالوا: حسبنا . فأنزل الله هذه الآية ، ثم أنزل