فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 8321

وقال أبو مسلم الأصفهاني: الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } [ طه: 85 ] { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } [ طه: 79 ] { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة: 26 ] وفسروا أيضًا قوله { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } [ الإسراء: 16 ] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال: { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة: 185 ] { وَيُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ } [ النساء: 26 ] وتأولوا قوله تعالى: { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ } [ النمل: 4 ] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } [ الرعد: 11 ] { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون } [ القصص: 59 ] وقال: { وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت: 17 ] وقال: { فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } [ يونس: 108 ] وقال: { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات: 7 ] فكيف يزين النعمة؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دلّ على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضًا أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالمًا وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالمًا ، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة .

وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقًا وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره وثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابهًا بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت