والوجه الثاني: في كون هذه الواقعة آية أنه E كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ } [ الأنفال: 7 ] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخبارًا عن الغيب ، فكان معجزًا .
والوجه الثالث: في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى: { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين } والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريبًا من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز .
فإن قيل: تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة .
قلنا: نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة .
والوجه الرابع: في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن: إن الله تعالى أمد رسوله A في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال: { فاستجاب لَكُمْ أنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ } [ الأنفال: 9 ] وقال: { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة } [ آل عمران: 125 ] والألف مع الأربعة آلاف: خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } والله أعلم .
ثم قال الله تعالى: { فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: القراءة المشهورة { فِئَةٌ } بالرفع ، وكذا قوله { وأخرى كَافِرَةٌ } وقرىء { فِئَةٌ فَقَاتِلْ وأخرى كَافِرَةٌ } بالجر على البدل من فئتين ، وقرىء بالنصب إما على الاختصاص ، أو على الحال من الضمير في التقتا ، قال الواحدي C: والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام .
المسألة الثانية: المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله .
وقوله { وأخرى كَافِرَةٌ } المراد بها كفار قريش .
ثم قال تعالى: { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين } وفيه مسألتان: