فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 8321

[ آل عمران: 15 ] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه .

والقول الثاني: قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى ، وخلق للمشتهي علمًا بما في تناول المشتهى من اللذة ، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزينًا لها وثانيها: أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، والله تعالى قد ندب إليها ، فكان مزينًا لها ، وإنما قلنا: إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول: أن يتصدق بها والثاني: أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث: أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سببًا لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعرًا هذا معناه والرابع: أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثوابًا ، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس: قوله تعالى: { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] وقال: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق } [ الأعراف: 32 ] وقال: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا } [ الكهف: 7 ] وقال: { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } [ الأعراف: 31 ] وقال في سورة البقرة { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ } [ البقرة: 22 ] وقال { كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا طَيّبًا } [ البقرة: 168 ] وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد { زُيّنَ لِلنَّاسِ } على تسمية الفاعل .

والقول الثالث: وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل ، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجبًا أو مندوبًا كان التزيين فيه من الله تعالى ، وكل ما كان حرامًا كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي ، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم ، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى ، أو من الشيطان .

المسألة الثالثة: قوله { حُبُّ الشهوات } فيه أبحاث ثلاثة:

البحث الأول: أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال ، كما يقال للمقدور قدرة ، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم ، وهذه استعارة مشهورة في اللغة ، يقال: هذه شهوة فلان ، أي مشتهاه ، قال صاحب «الكشاف» : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصًا على الاستمتاع بها والثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت