فهرس الكتاب

الصفحة 1638 من 8321

وأما قوله { جنات } فالتقدير: هو جنّات ، وقرأ بعضهم { جنات } بالجر على البدل من خير ، واعلم أن قوله { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال تعالى: { فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين } [ الزخرف: 71 ] .

ثم قال: { خالدين فِيهَا } والمراد كون تلك النعم دائمة .

ثم قال: { وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله } وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة: { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } [ البقرة: 25 ] وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن ، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب ، فقال { مُّطَهَّرَةٍ } ويدخل في ذلك: الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة .

ثم قال تعالى: { ورضوان مّنَ الله } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ عاصم { وَرِضْوَانٍ } بضم الراء ، والباقون بكسرها ، أما الضم فهو لغة قيس وتميم ، وقال الفرّاء: يقال رضيت رضا ورضوانا ، ومثل الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران والشكران .

المسألة الثانية: قال المتكلمون: الثواب له ركنان أحدهما: المنفعة ، وهي التي ذكرناها ، والثاني: التعظيم ، وهو المراد بالرضوان ، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ، حامد لهم ، مثن عليهم ، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع ، وأما الحكماء فإنهم قالوا: الجنّات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية ، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية ، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته ، ثم يصير في أول هذه المقامات راضيًا عن الله تعالى ، وفي آخرها مرضيًا عند الله تعالى ، والله الإشارة بقوله { رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } [ الفجر: 28 ] ونظير هذه الآية قوله تعالى: { وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم } [ التوبة: 72 ] .

ثم قال: { والله بَصِيرٌ بالعباد } أي عالم بمصالحهم ، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت