{ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة: 47 ] ولا يلزم كونهم أفضل من محمد A بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم ، والجواب ظاهر في قوله: اصطفى آدم على العالمين ، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك ، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه ، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل .
المسألة الثانية: { اصطفى } في اللغة اختار ، فمعنى: اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلًا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه: صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى { إِنْى اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي } [ الأعراف: 144 ] وقال في إبراهيم { وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار } [ ص: 47 ] .
إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان الأول: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعًا إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني: أنه موافق لقوله تعالى: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته } [ الأنعام: 124 ] وذكر الحليمي في كتاب «المنهاج» أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة .
أما المدركة: فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها: القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول A مخصوصًا بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول: قوله A:"زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها"والثاني: قوله A:"أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري"ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم A وهو قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض } [ الأنعام: 75 ] ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي C: وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي A أقوى من بصرها وثانيها: القوة السامعة ، وكان A أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان أحدهما: قوله A: