المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات ، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقًا على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئًا من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في «تفسيره» وهو في غاية الضعف ، لأنه لو كان ذلك معجزًا لزكريا عليه السلام كان مأذونًا له من عند الله تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذونًا في ذلك الطلب كان عالمًا قطعًا بأن يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال ، ولم يبق أيضًا لقوله { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فائدة ، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني .
وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضًا فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق .
أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء ، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلًا على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم .
والجواب من وجوه الأول: وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي ، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبيًا ، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه وليًا والثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها ، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث: وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به ، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة ، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق .
ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى ، وقوله { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [ الطلاق: 3 ] وههنا آخر الكلام في قصة حنة .