والجواب: أما قول الجُبّائي لو حملنا قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكمًا لله تعالى ثابتًا بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال: { وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } ثبت نفي كونه حكمًا لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار .
وأما الوجه الأول: من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه ، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقًا على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه .
فوجب أن يكون قوله { وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } عائدًا إلى هذا المعنى لا إلى غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم .
ثم قال تعالى: { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم .
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب ، وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوّة محمد A بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه ، والله أعلم .