[ الأنبياء: 29 ] مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم ، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا ههنا ، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك ، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] فكذا ههنا .
الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول A ، وإذا كان الميثاق مأخوذًا عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذًا على الأنبياء عليهم السلام ، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام ، أعلى وأشرف من درجات الأمم ، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء ، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد A واجبًا على أممهم لو كان ذلك أولى ، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه .
الحجة الثالثة: ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } ونحن نقرأ { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } فقال ابن عباس Bهما: إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم .
الحجة الرابعة: أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى: { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } وبقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } [ آل عمران: 187 ] فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع ، والله أعلم بمراده .
وأما قوله تعالى: { لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ الجمهور { لَّمًّا } بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير { لَّمًّا } مشددة ، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول: أن { مَا } اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } والتقدير: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، وعلى هذا التقدير ( مَا ) رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة ( مَا ) وموصولتها محذوف والتقدير: لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولًا } [ الفرقان: 41 ] وعليه سؤالان:
السؤال الأول: إذا كانت ( مَا ) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز .
وقوله { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } ليس فيه راجع إلى الموصول ، قلنا: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى: