إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول ، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه ، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية ، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها: قوله { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } والمعنى أنه سبحانه لكونه إلها ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا وثانيها: أنه ذكر { الناس } ثم أبدل منه { مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا } وفيه ضربان من التأكيد ، أما أولًا فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير ، وذلك يدل على شدة العناية ، وأما ثانيًا فلأنه أجمل أولًا وفصل ثانيًا وذلك يدل على شدة الاهتمام وثالثها: أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما: لام الملك في قوله { وَللَّهِ } وثانيتهما: كلمة { على } وهي للوجوب في قوله { وَللَّهِ عَلَى الناس } ورابعها: أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه ، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام وخامسها: أنه قال { وَمَن كَفَرَ } مكان ، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج وسادسها: ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان وسابعها: قوله { عَنِ العالمين } ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنيًا عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على السخط وثامنها: أن في أول الآية قال: { وَللَّهِ عَلَى الناس } فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر ، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله { فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله E: « حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث » وروي « حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه » قيل: معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره ، وعن ابن مسعود « حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت » .