فهرس الكتاب

الصفحة 1821 من 8321

ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال: { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءَامَنَ } قال الفرّاء: يقال صددته أصده صدًا وأصددته إصدادًا ، وقرأ الحسن { تَصُدُّونَ } بضم التاء من أصده ، قال المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته A في كتابهم .

ثم قال: { تَبْغُونَهَا عِوَجًا } العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى ، وهو الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه: عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة ، قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك: بغيت المال والأجر والثواب وأُريد ههنا: تبغون لها عوجًا ، ثم أسقطت اللام كما قالوا: وهبتك درهمًا أي وهبت لك درهمًا ، ومثله صدت لك ظبيًا وأنشد:

فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارًا

أراد أصيد لكم والهاء في { تَبْغُونَهَا } عائدة إلى { السبيل } لأن السبيل يؤنث ويذكر و { العوج } يعني به الزيغ والتحريف ، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم: النسخ يدل على البداء وقولهم: إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون { عِوَجَا } في موضع الحال والمعنى: تبغونها ضالين وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله تعالى: إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها .

ثم قال: { وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } وفيه وجوه الأول: قال ابن عباس Bهما: يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام الثاني: وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته A الثالث: وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله الرابع: وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى: أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال .

ثم قال: { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } والمراد التهديد ، وهو كقول الرجل لعبده ، وقد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه ولست غافلًا عن أمرك وإنما ختم الآية الأولى بقوله { وَاللَّه شَهِيدٌ } وهذه الآية بقوله { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوّة محمد A وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه { والله شَهِيدٌ } وفيما أضمروه { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وإنما كرر في الآيتين قوله { قُلْ ياأهل الكتاب } لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه ، وتكرير هذا الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال وأدل على النصح لهم في الدين والإشفاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت