{ ذلك الكتاب } [ البقرة: 2 ] وقوله { بالحق } فيه وجهان الأول: أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني: بالحق ، أي بالمعنى الحق ، لأن معنى التلو حق .
ثم قال تعالى: { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا للعالمين } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة ، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين ، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعًا للكذب ، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل ، على أن جانب الرحمة غالب ، ونظيره قوله تعالى في سورة ( عم ) بعد أن ذكر وعيد الكفار { إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُواْ بئاياتنا كِذَّابًا } [ النبأ: 27 ، 28 ] أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة .
المسألة الثانية: قال الجُبّائي: هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئًا من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئًا من ذلك ، وبيانه: وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى ، أو من العبد ، وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره ، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة ، وقوله تعالى: { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا للعالمين } نكرةٌ في سياق النَّفي ، فوجب أن لا يريد شيئًا مما يكون ظلمًا ، سواء كان ذلك صادرًا عنه أو صادرًا عن غيره ، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئًا من هذه الأقسام الثلاثة ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلًا لشيء من هذه الأقسام ، ويلزم منه أن لا يكون فاعلًا للظلم أصلًا ويلزم أن لا يكون فاعلًا لأعمال العباد ، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضًا ، وإنما قلنا: إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها ، ولو كان فاعلًا لشيء من أقسام الظلم لكان مريدًا لها ، وقد بطل ذلك ، قالوا: فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم ، وغير فاعل لأعمال العباد ، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد ، ثم قالوا: إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك ، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريدًا له ، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادرًا على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا: هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل ، ثم قالوا: ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو العجز ، أو الحاجة ، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض ، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة ، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلًا للقبيح والثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول: إنا نشاهد وجود الظلم في العالم ، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته ، فيلزم كونه ضعيفًا عاجزًا مغلوبًا وذلك محال .