فهرس الكتاب

الصفحة 1842 من 8321

المسألة الثالثة: قال الزجاج: قوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي A ، ولكنه عام في كل الأمة ، ونظيره قوله { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] { كتب عَلَيْكُم القصاص } [ البقرة: 178 ] فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا .

المسألة الرابعة: قال القفال C: أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا A هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته ، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول ، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال E:"أمتي لا تجتمع على ضلالة"وروي أنه E يقول يوم القيامة"أمتي أمتي"فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته ، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم: إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط .

أما قوله { أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ففيه قولان الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ، فقوله { أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني: أن قوله { لِلنَّاسِ } من تمام قوله { كُنتُمْ } والتقدير: كنتم للناس خير أمة ، ومنهم من قال: { أُخْرِجَتْ } صلة ، والتقدير: كنتم خير أمة للناس .

ثم قال: { تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله } .

واعلم أن هذا كلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونًا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف ، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات ، أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات .

وههنا سؤالات:

السؤال الأول: من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟ .

والجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال ، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات: الكفر بالله ، فكان الجهاد في الدين محملًا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع ، وتخليصه من أعظم المضار ، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات ، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع ، لا جرم صار ذلك موجبًا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم ، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقروا بما أنزل الله ، وتقاتلونهم عليه و «لا إله إلا الله» أعظم المعروف ، والتكذيب هو أنكر المنكر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت