فهرس الكتاب

الصفحة 1844 من 8321

واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما: قوله { مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } [ آل عمران: 110 ] وثانيتهما: قوله { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } قال صاحب «الكشاف» : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ، ولذلك جاء { آمن } غير عاطف .

أما قوله { مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } ففيه سؤالان:

السؤال الأول: الألف واللام في قوله { المؤمنون } للاستغراق أو للمعهود السابق؟ .

والجواب: بل للمعهود السابق ، والمراد: عبد الله بن سلاّم ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى .

السؤال الثاني: الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق .

والجواب: الكافر قد يكون عدلًا في دينه وقد يكون فاسقًا في دينه فيكون مردودًا عند الطوائف كلهم ، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره ، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقًا فيما بينهم ، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان: منهم من آمن ، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم ، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء .

أما قوله تعالى: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً } فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } رغبهم فيه من وجه آخر ، وهو أنهم لا قدرة لهم على الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به ، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين ، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم ، وكل ذلك تقرير لما تقدم من قوله { إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } [ آل عمران: 100 ] فهذا وجه النظم ، فأما قوله { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً } فمعناه: أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وإما بإظهار كلمة الكفر ، كقولهم { عُزَيْرٌ ابن الله } [ التوبة: 30 ] و { المسيح ابن الله } [ التوبة: 30 ] و { الله ثالث ثلاثة } [ المائدة: 73 ] وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ، ومن الناس من قال: إن قوله { إِلاَّ أَذىً } استثناء منقطع وهو بعيد ، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر ، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى لن يضروكم إلا ضررًا يسيرًا ، والأذى وقع موقع الضرر ، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت