{ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } [ البقرة: 191 ] .
المسألة الثالثة: قوله { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله } فيه وجوه الأول: قال الفرّاء: التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، وأنشد على ذلك:
رأتني بحبلها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
واعترضوا عليه ، فقالوا: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني: أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم ، فكأنه قيل: لا تنفك عنهم الذلة ، ولن يتخلصوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس الثالث: أن تكون الباء بمعنى ( مع ) كقولهم: اخرج بنا نفعل كذا ، أي معنا ، والتقدير: إلا مع حبل من الله .
المسألة الرابعة: المراد من حبل الله عهده ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفًا ، صار ذلك الخوف مانعًا له من الوصول إلى مطلوبه ، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيهًا بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر .
فإن قيل: إنه عطف على حبل الله حبلًا من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة؟
قلنا: قال بعضهم: حبل الله هو الإسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال: أو حبل من الناس ، وقال آخرون: المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان ، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن الله وهذا عندي أيضًا ضعيف ، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما: الذي نص الله عليه وهو أخد الجزية والثاني: الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد فالأول: هو المسمى بحبل الله والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين والله أعلم .
ثم قال: { وَبَاءُو بِغَضَبٍ مّنَ الله } وقد ذكرنا أن معناه: أنهم مكثوا ، ولبثوا وداموا في غضب الله ، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان ، ومنه: تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه ، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه ، وسواء قولك: حل بهم الغضب وحلوا به .
ثم قال: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم ، والباقي عليهم ليس إلا الجزية ، وقال آخرون: المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنيًا موسرًا ، وقال بعضهم: هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقًا للمسلمين فيصيرون مساكين ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال: { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بئايات الله وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } والمعنى: أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات أولها: جعل الذلة لازمة لهم وثانيًا: جعل غضب الله لازمًا لهم وثالثها: جعل المسكنة لازمة لهم ، ثم بيّن في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي: أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، وهنا سؤالات: