{ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا } [ الفرقان: 23 ] وقال: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } [ الأنفال: 36 ] وقوله { والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } [ النور: 39 ] فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب الثواب ، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } [ المائدة: 27 ] وهذا القول هو الأقوى والأصح .
واعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة ، ولا يبعد أيضًا تفسيرها بخيبتهم في الدنيا ، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر وتحملوا المشاق ، ثم انقلب الأمر عليهم ، وأظهر الله الإسلام وقواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة .
والقول الثاني: المراد منه الإخبار عن بعض الكفار ، وعلى هذا القول ففي الآية وجوه الأول: أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن على سبيل التقية والخوف من المسلمين ، وعلى سبيل المداراة لهم ، فالآية فيهم ، الثاني: نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على الرسول عليه السلام الثالث: نزلت في إنفاق سفلة اليهود على أحبارهم لأجل التحريف والرابع: المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس كذلك .
المسألة الرابعة: اختلفوا في { الصر } على وجوه الأول: قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد والثاني: أن الصر: هو السموم الحارة والنار التي تغلي ، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر ابن الأنباري ، قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها { فِيهَا صِرٌّ } لتصويتها عند الالتهاب ، ومنه صرير الباب ، والصرصر مشهور ، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى: { فَأَقْبَلَتِ امرأته فِى صَرَّةٍ } [ الذاريات: 29 ] وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس Bهما في { فِيهَا صِرٌّ } قال فيها نار ، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل ، لأنه سواء كان بردًا مهلكًا أو حرًا محرقًا فإنه يصير مبطلًا للحرث والزرع فيصح التشبيه به .