الوجه الثاني: في الجواب: لا نسلم أن الملائكة ما نزلت ، روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أُحد ولكنهم لم يقاتلوا ، وروي أن رسول الله A أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب ، فقال رسول الله A تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول A أنه ملك أمد /به ، وعن سعد بن أبي وقاص Bه أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه ، فظننت أنه ملك ، فهذا ما نقوله في تقرير هذا الوجه .
إذا عرفت هذا فنقول: نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد ، ثم قال: { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أي يجب أن يكون توكلهم على الله لا على كثرة عددهم وعددهم فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة في سائر المواضع ، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ الملئكة } .
القول الثاني: أن هذا الوعد كان يوم بدر ، وهو قول أكثر المفسرين ، واحتجوا على صحته بوجوه .
الحجة الأولى: أن الله تعالى قال: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } [ آل عمران: 123 ] { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } كذا وكذا ، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى نصرهم ببدر حينما قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام ، وهذا يقتضي أنه E قال هذا الكلام يوم بدر .
الحجة الثانية: أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر وكان الاحتياج إلى تقوية القلب ذلك اليوم أكثر ، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى .
الحجة الثالثة: أن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقًا غير مشروط بشرط ، فوجب أن يحصل ، وهو إنما حصل يوم بدر لا يوم أُحد ، وليس لأحد أن يقول إنهم نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة ، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد بل لا بد من الإعانة ، والإعانة حصلت يوم بدر ولم تحصل يوم أحد ، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا:
أما الحجة الأولى: وهي قولكم: الرسول A إنما أمد يوم بدر بألف من الملائكة .
فالجواب عنها: من وجهين الأول: أنه تعالى أمد أصحاب الرسول A بألف ثم زاد فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف ، ثم زاد ألفين آخرين فصاروا خمسة آلاف ، فكأنه E قال لهم: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة فقالوا بلى ، ثم قال: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى ، ثم قال لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف ، وهو كما روي أنه A قال لأصحابه: