المسألة الرابعة: ذكر الفرّاء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين أحدهما: أن قوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } عطف على ما قبله ، والتقدير: ليقطع طرفًا من الذين كفروا ، أو يكبتهم ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم ، ويكون قوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء } كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه ، كما تقول: ضربت زيدًا ، فاعلم ذلك عمرًا ، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها .
والقول الثاني: أن معنى { أَوْ } ههنا معنى حتى ، أو إلا أن كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي والمعنى: إلا أن تعطيني أو حتى تعطيني ، ومعنى الآية ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم ، أو يعذبهم فتتشفى منهم .
المسألة الخامسة: قوله تعالى: { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى ، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا: وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد ، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة ، فلو كانت الإرادات فعلًا للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو محال ، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق الله تعالى وتكوينه إبتداء ، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم ، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات ، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق الله تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقًا لما دل عليه ظاهر القرآن ، هو قوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة .
أما قوله تعالى: { فَإِنَّهُمْ ظالمون } ففيه مسائل: