السؤال الأول: ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات والأرض وفيه وجوه: الأول: أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله . والثاني: أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الانسان إنما يرغب فيما يصير ملكا ، فلا بد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا . الثالث: قال أبو مسلم: وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة ، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر: عرضته عليه وعارضته به ، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر ، وكذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما مثلا للآخر . الرابع: المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله: { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض } [ هود: 107 ] فان أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما عرفناه ، فكذا ههنا .
السؤال الثاني: لم خص العرض بالذكر .
والجواب فيه وجهان: الأول: أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم ونظيره قوله: { بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } [ الرحمن: 54 ] وإنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة ، فاذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة؟ فكذا ههنا اذا كان العرض هكذا فكيف الطول والثاني: قال القفال: ليس المراد بالعرض ههنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب: بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة ، أي واسعة عظيمة ، والأصل فيه ان ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية عن السعة .
السؤال الثالث: أنتم تقولون: الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
والجواب من وجهين: الأول: أن المراد من قولنا انها فوق السموات وتحت العرش ، قال عليه السلام: في صفة الفردوس « سقفها عرش الرحمن » وروي أن رسول هرقل سأل النبي A وقال: انك تدعو الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال النبي A: « سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار . » والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب ، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل ، وسئل أنس ابن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة ، قيل فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش .
والوجه الثاني: أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن ، بل الله تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة ، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات ، والنار في مكان الأرض ، والله أعلم .
أما قوله: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق تقرير ذلك .