فهرس الكتاب

الصفحة 1893 من 8321

إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار

ثم قال تعالى: { هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } ويعني بقوله: { هذا } ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات ، ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة ، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان: الأول: أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة ، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان ، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين ، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى . الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة .

الوجه الثاني: أن البيان هو الدلالة ، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء ، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] في سورة البقرة .

المسألة الرابعة: في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان . أحدهما: أنهم هم المنتفعون به ، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات: 45 ] { إِنَّمَا تُنذِرُ مَّعَ مَنِ اتبع الذكر } [ يس: 11 ] { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر: 28 ] وقد تقدم تقريره في تفسير قوله: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } الثاني: أن قوله: { هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } كلام عام ثم قوله: { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } للمتقين مخصوص بالمتقين ، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية ، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين ، والله أعلم بالصواب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت