فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 8321

{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] وقال: { وَجِىء بالنبيين والشهداء } [ الزمر: 69 ] وقال: { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [ النساء: 69 ] فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين .

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوبًا لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوبًا لله تعالى ، وأيضًا فقوله: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى .

المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيدًا ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله: { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني: قال ابن الانباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى: { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة: 143 ] الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } [ نوح: 25 ] فكذا ههنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا الجنة .

ثم قال تعالى: { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } قال ابن عباس Bهما: أي المشركين ، لقوله تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، وفيه وجوه: الأول: والله لا يحب من لا يكون ثابتًا على الايمان صابرًا على الجهاد . الثاني: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد ، لا لأنه يحبهم .

ثم قال: { وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءَامَنُواْ } أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم ، والمحص: في اللغة التنقية ، والمحق في اللغة النقصان ، وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء ، ومنه قوله تعالى: { يَمْحَقُ الله الرباا } [ البقرة: 276 ] أي يستأصله . قال الزجاج: معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين ، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين ، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم ، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين ، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم ، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى . والأقرب أن المراد بالكافرين ههنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول A يوم أحد ، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار ، بل كثير منهم بقي على كفره ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت