الرابع: أن يكون الإذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه ، واذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ النحل: 61 ] الخامس: قال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره ، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل ، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا باذن الله .
المسألة الثالثة: قال الأخفش والزجاج: اللام في { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا باذن الله .
المسألة الرابعة: دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله ، وأن تغيير الآجال ممتنع .
وقوله تعالى: { كتابا مُّؤَجَّلًا } فيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { كتابا مُّؤَجَّلًا } منصوب بفعل دل عليه ما قبله فإن قوله: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } قام مقام أن يقال: كتب الله ، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله: { كتاب الله عَلَيْكُمْ } [ النساء: 24 ] لأن في قوله { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } [ النساء: 23 ] دلالة على انه كتب هذا التحريم عليكم ومثله: { صنع الله } [ النمل: 88 ] و { وعد الله } [ الزمر: 20 ] و { فطرة الله } [ الروم: 30 ] ، و { صبغة الله } [ البقرة: 138 ] .
المسألة الثانية: المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال ، ويقال: إنه هو اللوح المحفوظ ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم « اكتب فكتب ما هو كائن الى يوم القيامة » .
واعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى ، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا ، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا ، وكل ذلك محال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء الله وقدره . وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق ، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام « فحج آدم موسى » قال القاضي: أما الأجل والرزق فهما مضافان الى الله ، وأما الكفر والفسق والايمان والطاعة فكل ذلك مضاف الى العبد ، فاذا كتب تعالى ذلك فانما يكتب بعلمه من اختيار العبد ، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح .
واعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الإشكال ، وذلك لأنا نقول: إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر ، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين ، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك الى الكلمات الأجنبية عن هذا الإلزام .