فهرس الكتاب

الصفحة 1920 من 8321

{ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ التوبة: 34 ] .

المسألة الثانية: الباء في قوله: { غَمًّا بِغَمّ } يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة ، كما يقال: هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مع» والتقدير: أثابهم غمًا مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه: الأول: وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غمًا بسبب أن عصيتم أمره ، فالله تعالى أذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم . الثاني: قال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم إلتفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا بإقبالها ولا تحزنوا بإدبارها ، وهو المعنى بقوله: { لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ } في واقعة أحد { وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم } [ الحديد: 23 ] في واقعة بدر ، طعن القاضي في هذا الوجه وقال: إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك كفر ومعصية ، فكيف يضيفه الله إلى نفسه؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا ولا يحزنوا بإدبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله . الثالث: يجوز أن يكون الضمير في قوله { فأثابكم } يعود للرسول ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي A شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ، فكان المراد من قوله { فأثابكم غَمًّا بِغَمّ } هو هذا ، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله: { غَمًّا بِغَمّ } بمعنى «مع» أي غما مع غم ، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول: ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول: نزلت ببني فلان ، وعلى بني فلان .

واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة: فأحدها: غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال . وثانيها: غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ، وثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية ، ورابعها: ما أرجف به من قتل الرسول A ، وخامسها: بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها ، وسادسها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ، لأن الانسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جبانًا ، فاذا أمر بالمعاودة ، فان فعل خاف القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت