فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 8321

والوجه الثاني: أن يكون المراد من قوله: { هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء } هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء ، ويكون المراد من قوله: { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء مَّا قُتِلْنَا هاهنا } هو ما كان يقوله عبدالله بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا .

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول من الجواب: قوله: { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ } والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ، فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات ، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل ، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلا؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه الى إيجاد الله تعالى ، فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا ، وكل ذلك محال ، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله: { الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل } وهذه الكلمة تفيد الوجوب ، فان هذه الكلمة في قوله: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص } [ البقرة: 178 ] تفيد وجوب الفعل ، وها هنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل ، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق . ثم نقول للمفسرين: فيه قولان: الأول: لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل الى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد ، والثاني: كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار الى مضاجعهم ، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم .

الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة: قوله: { وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ } وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ، ولو كان الأمر اليهم لما خرجوا اليها ، فقال تعالى: بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة: أن يتميز الموافق من المنافق ، وفي المثل المشهور: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين ، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة .

فان قيل: لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت