فهرس الكتاب

الصفحة 1937 من 8321

ثم قال تعالى: { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا تجمعون } .

واعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين ، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للانسان من أن يقتل أو يموت ، فاذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه ، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الانسان بها بعد الموت ألبتة ، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة ، وذلك لأن الانسان إذا توجه الى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فاذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل الى المحبوب ، وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصًا على جمع الدنيا ، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة ، ولا شك في كمال سعادة الأول ، وكمال شقاوة الثاني .

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي ( متم ) بكسر الميم ، والباقون بضم الميم ، والأولون أخذوه من: مات يمات مت ، مثل هاب يهاب هبت ، وخاف يخاف خفت ، وروى المبرد هذه اللغة فإن صح فقد صحت هذه القراءة ، وأما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من مات يموت مت ، مثل: قال يقول قلت .

المسألة الثانية: قال الواحدي C: اللام في قوله: { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ } لام القسم ، بتقدير الله لئن قتلتم في سبيل الله ، واللام في قوله: { لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ } جواب القسم ، ودال على أن ما هو داخل عليه جزاء ، والأصوب عندي أن يقال: هذه اللام للتأكيد ، فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم ، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا ، فلماذا تحترزون عنه كأنه قيل: إن الموت والقتل غير لازم الحصول ، ثم بتقدير أن يكون لازمًا فإنه يستعقب لزوم المغفرة ، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه؟

المسألة الثالثة: قرأ حفص عن عاصم ( يجمعون ) بالياء على سبيل الغيبة ، والباقون بالتاء على وجه الخطاب ، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة الله خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني ، وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا .

المسألة الرابعة: إنما قلنا: إن رحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه: أحدها: أن من يطلب المال فهو في تعب من ذلك الطلب في الحال ، ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فإنه لا بد وأن ينتفع به لأن الله لا يخلف وعده ، وقد قال: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } [ الزلزلة: 7 ] وثانيها: هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد ، فكم من انسان أصبح أميرا وأمسى أسيرا ، وخيرات الآخرة لا تزول لقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت