فهرس الكتاب

الصفحة 1959 من 8321

إذا عرفت هذه الوجوه فنقول: ان محمدا E ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال ، مطلعين على هذه الدلائل ، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال . فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال: { إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخر لهم ، كما قال: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [ الزخرف: 44 ] وذلك لأن الافتخار بابراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب . ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والانجيل ، فما كان للعرب ما يقابل ذلك ، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم ، فهذا هو وجه الفائدة في قوله: { مّنْ أَنفُسِهِمْ } .

ثم قال بعد ذلك: { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } .

واعلم أن كمال حال الانسان في أمرين: في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وبعبارة أخرى: للنفس الانسانية قوتان ، نظرية وعملية ، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين ، فقوله: { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته } إشارة الى كونه مبلغا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق ، وقوله: { وَيُزَكّيهِمْ } اشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية { والكتاب } إشارة إلى معرفة التأويل ، وبعبارة أخرى { الكتاب } إشارة الى ظواهر الشريعة { والحكمة } إشارة الى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها ، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه النعمة . وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم ، فاذا كان وجه النعمة العلم والاعلام ، ووردا عقيب الجهل والذهاب عن الدين ، كان أعظم ونظيره قوله: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى } [ الضحى: 7 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت