فهرس الكتاب

الصفحة 1967 من 8321

واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، ويدل عليه وجوه:

الحجة الأولى: ان قوله: { بَلْ أَحْيَاء } ظاهره يدل على كونهم أحياء عند نزول الآية ، فحمله على أنهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظاهر .

الحجة الثانية: انه لا شك أن جانب الرحمة والفضل والاحسان أرجح من جانب العذاب والعقوبة ، ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أنه أحياهم قبل القيامة لأجل التعذيب فانه تعالى قال: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } [ نوح: 25 ] والفاء للتعقيب ، والتعذيب مشروط بالحياة ، وأيضا قال تعالى: { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } [ غافر: 46 ] واذا جعل الله أهل العذاب أحياء قبل قيام القيامة لأجل التعذيب ، فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة لأجل الاحسان والاثابة كان ذلك أولى .

الحجة الثالثة: أنه لو أراد أنه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنة لما قال للرسول E: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك ، أما إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } لأنه E لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف المطيعين والمخلصين بهذا التشريف ، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال الثواب اليهم .

فان قيل: إنه E وإن كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ربهم عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة ، فجاز أن يبشره الله بأنهم سيصيرون أحياء ويصلون إلى الثواب والسرور .

قلنا: قوله: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } إنما يتناول الموت لأنه قال: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا } فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة ، وقوله: { يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ } فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا السؤال .

الحجة الرابعة: قوله تعالى: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا ، فاستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة ، فدل هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة ، وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي ذكره .

الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس Bهما أن النبي A قال في صفة الشهداء: « ان أرواحهم في أجواف طير خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله تعالى بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى هذه الآية »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت