{ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } [ الأنبياء: 19 ] وقوله: { الذين عِندَ رَبّكَ } [ الأعراف: 206 ]
أما قوله: { يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله } فاعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله: { يُرْزَقُونَ } إشارة إلى المنفعة ، وقوله: { فَرِحِينَ } إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء فانهم قالوا: إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الالهية كانت مبتهجة من وجهين: أحدهما: أن تكون ذواتها منيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الالهية . والثاني: بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا: وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله: { يُرْزَقُونَ } إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله: { فَرِحِينَ } إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال: { فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } يعني ان فرحهم ليس بالرزق ، بل بايتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن طلب الحق لغيره فهو محجوب .
ثم قال تعالى: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .
واعلم أن قوله: { أَلاَّ خَوْفٌ } في محل الخفض بدل من { الذين } والتقدير: ويستبشرون بأن لا خوف ولا حزن بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: الاستبشار السرور الحاصل بالبشارة ، وأصل الاستفعال طلب الفعل ، فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور فوجده بالبشارة .
المسألة الثانية: اعلم أن الذين سلموا كون الشهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر .
أما الأول: فهو أن يقال: إن الشهداء يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا ، فهو قوله: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } .
وأما الثاني: فهو أن يقال: إن الشهداء إذا دخلوا الجنة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ، والمراد بقوله: { لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } هم إخوانهم من المؤمنين الذين ليس لهم مثل درجة الشهداء ، لأن الشهداء يدخلون الجنة قبلهم ، دليله قوله تعالى: { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْرًا عَظِيمًا * درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } [ النساء: 95 96 ] فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنعيم المعد لهم ، وبما يرجونه من الاجتماع بهم وتقر بذلك أعينهم ، هذا اختيار أبي مسلم الاصفهاني والزجاج .
واعلم أن التأويل الأول أقوى من الثاني ، وذلك لأن حاصل الثاني يرجع الى استبشار بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنة ، وهذا أمر عام في حق كل المؤمنين ، فلا معنى لتخصيص الشهداء بذلك ، وأيضا: فهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، فكذلك يستبشرون بمن تقدمهم في الدخول ، لأن منازل الأنبياء والصديقين فوق منازل الشهداء ، قال تعالى: { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [ النساء: 69 ] وعلى هذا التقدير لا يبقى فائدة في التخصيص . أما إذا فسرنا الآية بالوجه الأول ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصية أعظم الفوائد فكان ذلك أولى والله أعلم .
المسألة الثالثة: الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل ، والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي ، فبين سبحانه أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من نعيم الدنيا .