فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 8321

الفصل الثاني

في تفسير قوله رب العالمين ، وفيه فوائد:

أقسام العالم وأنواع كل قسم:

الفائدة الأولى: اعلم أن الموجود إما أن يكون واجبًا لذاته ، وإما أن يكون ممكنًا لذاته ، أما الواجب لذاته فهو الله تعالى فقط ، وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى الله تعالى وهو العالم ، أن المتكلمين قالوا: العالم كل موجود سوى الله ، وسبب تسمية هذا القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله تعالى ، فلهذا السبب سمي كل موجود سوى الله بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول: كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزًا ، وإما أن يكون صفة للمتحيز ، وإما أن لا يكون متحيزًا ولا صفة للمتحيز ، فهذه أقسام ثلاثة: القسم الأول: المتحيز: وهو إما أن يكون قابلًا للقسمة ، أو لا يكون ، فإن كان قابلًا للقسمة فهو الجسم ، وإن لم يكن كذلك فهو الجوهر الفرد؛ أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو من الأجسام السفلية؛ أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، وقد ثبت بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين ، مثل العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة ، وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة: أما البسيطة فهي العناصر الأربعة: واحدها: كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة ، وثانيها: كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى ، وثالثها: كرة الهواء ، ورابعها: كرة النار . وأما الأجسام المركبة فهي النبات ، والمعادن ، والحيوان ، على كثرة أقسامها وتباين أنواعها ، وأما القسم الثاني وهو الممكن الذي يكون صفة للمتحيزات فهي الأعراض ، والمتكلمون ذكروا ما يقرب من أربعين جنسًا من أجناس الأعراض . أما الثالث وهو الممكن الذي لا يكون متحيزًا ولا صفة للمتحيز فهو الأرواح ، وهي إما سفلية ، وإما علوية: أما السفلية فهي إما خيرة ، وهم صالحو الجن ، وإما شريرة خبيثة وهي مردة الشياطين . والأرواح العلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية ، وإما غير متعلقة بالأجسام وهي الأرواح المطهرة المقدسة ، فهذا هو الإشارة إلى تقسيم موجودات العالم ، ولو أن الإنسان كتب ألف ألف مجلد في شرح هذه الأقسام لما وصل إلى أقل مرتبة من مراتب هذه الأقسام ، إلا أنه لما ثبت أن واجب الوجود لذاته واحد ، ثبت أن كل ما سواه ممكن لذاته ، فيكون محتاجًا في وجوده إلى إيجاد الواجب لذاته ، وأيضًا ثبت أن الممكن حال بقائه لا يستغنى عن المبقي ، والله تعالى إله العالمين من حيث إنه هو الذي أخرجها من العدم إلى الوجود ، وهو رب العالمين من حيث إنه هو الذي يبقيها حال دوامها واستقرارها . وإذا عرفت ذلك ظهر عندك شيء قليل من تفسير قوله الحمد لله رب العالمين ، وكل من كان أكثر إحاطة بأحوال هذه الأقسام الثلاثة كان أكثر وقوفًا على تفسير قوله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت