فهرس الكتاب

الصفحة 2118 من 8321

أما قوله تعالى: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في الفاحشة المبينة قولان: الأول: أنها النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله ، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع ، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب: إلا أن يفحش عليكم .

والقول الثاني: أنها الزنا ، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي .

المسألة الثانية: قوله: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ } استثناء من ماذا؟ فيه وجوه: الأول: انه استثناء من أخذ الأموال ، يعني لا يحل له أن يحبسها ضرارًا حتى تفتدي منه إلا إذا زنت ، والقائلون بهذا منهم من قال: بقي هذا الحكم وما نسخ ، ومنهم من قال: انه منسوخ بآية الجلد . الثاني: أنه استثناء من الحبس والامساك الذي تقدم ذكره في قوله: { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت } [ النساء: 15 ] وهو قول أبي مسلم وزعم أنه غير منسوخ . الثالث: يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت ، فالأولياء والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فعند ذلك يحل للأولياء والأزواج حبسهن في البيوت .

المسألة الثالثة: قرأ نافع وأبو عمرو { مُّبَيّنَةٍ } بكسر الياء و { آيات مبينات } [ النور: 34 ] بفتح الياء حيث كان ، قال لأن في قوله: { مبينات } قصد إظهارها ، وفي قوله: { بفاحشة مُّبَيّنَةٍ } لم يقصد اظهارها ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما ، والباقون بكسر الياء فيهما ، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة ، إنما الله تعالى هو الذي بينهما . والثاني: ان الفاحشة تتبين ، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة ، وأما الآيات فان الله تعالى بينها ، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها ، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى: { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم: 36 ] .

النوع الثالث: من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: وعاشروهن بالمعروف ، قال الزجاج: هو النصفة في المبيت والنفقة ، والاجمال في القول .

ثم قال تعالى: { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن ، وآثرتم فراقهن { فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } والضمير في قوله { فِيهِ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: الأول: المعنى انكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة ، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله ، وأنفق عليها وأحسن اليها على خلاف الطبع ، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا ، الثاني: أن يكون المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن ، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرا كثيرا ، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيرًا منه ، ونظيره قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت