النوع الثاني: من المحرمات: البنات ، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات ، باناث أو بذكور فهي بنتك ، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات .
المسألة الثانية: قال الشافعي C: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني . وقال أبو حنيفة: تحرم . حجة الشافعي أنها ليست بنتًا له فوجب أن لا تحرم ، إنما قلنا: إنها ليست بنتا لوجوه: الأول: أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة ، وهي كونها مخلوقة من مائه ، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب ، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا ، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد ، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال: لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق ، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق ، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد ، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه ، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة ، وأما إذا قلنا: النسب إنما يثبت بحكم الشرع ، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب ، فثبت أن انتسابها اليه غير ممكن ، لا بناء على الحقيقة ، ولا بناء على حكم الشرع .
الوجه الثاني: التمسك بقوله E: « الولد للفراش وللعاهر الحجر » فقوله: الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش .
الوجه الثالث: لو كانت بنتًا له لأخذت الميراث لقوله تعالى: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } [ النساء: 11 ] ولثبتت له ولاية الاجبار ، لقوله عليه السلام: « زوجوا بناتكم الاكفاء » ولوجب عليه نفقتها وحضانتها ، ولحلت الخلوة بها ، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية ، وإذا ثبت أنها ليست بنتًا له وجب أن يحل التزوج بها ، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية ، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة ، وهذا الحصر ثابت بالاجماع . والبنتية باطلة كما ذكرنا ، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة ، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم .