فهرس الكتاب

الصفحة 2138 من 8321

المسألة الثانية: مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل ، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها ، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر ، وأظهر الروايات عن ابن عباس ، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله: { وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ } ثم ذكر شرطا وهو قوله: { مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا ، وحجة القول الأول أن قوله تعالى: { وأمهات نِسَائِكُمْ } جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه ، فوجب القول ببقائه على عمومه ، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه: الأول: وهو أن الشرط لا بد من تعليقه بشيء سبق ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية ، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل ، وانه لا يجوز . الثاني: وهو أن عموم هذه الجملة معلوم ، وعود الشرط اليه محتمل ، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصًا بالجملة الأخيرة فقط ، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا ، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك ، وانه لا يجوز . الثالث: وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى ، فاما أن يكون مقصورا عليها ، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضًا ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا ، وذلك باطل بالاجماع ، والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة «من» ههنا التمييز ثم يقول: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة «من» ههنا ابتداء الغاية كما يقول: بنات الرسول من خديجة ، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال: إن كلمة «من» للاتصال كقوله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ التوبة: 71 ] وقال E:"ما أنا من دد ولا الدد مني"ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا .

الوجه الرابع: في الدلالة على ما قلناه: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي A أنه قال:"اذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، واذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت"وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث . وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة ، فاتفق أن ذهب الى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه ، فلما رجع الى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة . وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فإن طلقها قبل الدخول تزوج أمها ، وإن ماتت لم يتزوج أمها ، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم ، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة ، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة ، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت