"بيع الأمة طلاقها"وحجة أبي كعب وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله: { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله: { كتاب الله عَلَيْكُمْ } وفيه وجهان: الأول: أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } يدل على معنى الكتبة فالتقدير: كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله } [ النمل: 88 ] الثاني: قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر ، ويكون «عليكم» مفسرا له فيكون المعنى: الزموا كتاب الله .
ثم قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وَأُحِلَّ لَكُمْ } على ما لم ُيسَمَّ فاعِلُه ، عطفا على قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على { كتاب الله } يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها .
المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة . إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها .
الصنف الأول: لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ، قال النبي A:"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"وهذا خبر مشهور مستفيض ، وربما قيل: إنه بلغ مبلغ التواتر ، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة ، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة ، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن ، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز . الثاني: من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال: بم تحكم؟ قال بكتاب الله ، قال: فان لم تجد قال: بسنة رسول الله A ، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة ، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب ، وأيضا فانه قال: فان لم تجد قال: بسنة رسول الله A ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة «إن» وهي للاشتراط ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط .