المسألة الثانية: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها ، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية ، وهو قوله: { وآتوهن أجورهن بالمعروف } وأما الجمهور فانهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص والقياس ، أما النص فقوله تعالى: { ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } [ النحل: 75 ] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا ، وأما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع ، وتلك المنافع مملوكة للسيد ، وهو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح ، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها .
والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه: الأول: أنا إذا حملنا الأجور في الآية على النفقة زال السؤال بالكلية . الثاني: أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن وليس في قوله: { وَءاتُوهُنَّ } ما يوجب كون المهر ملكا لهن ، ولكنه E قال: « العبد وما في يده لمولاه » فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق والله أعلم .
ثم قال تعالى: { محصنات غَيْرَ مسافحات وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال ابن عباس: محصنات أي عفائف ، وهو حال من قوله: { فانكحوهن } باذن أهلهن ، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء ، واختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟ وسنذكره في قوله: { الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } [ النور: 3 ] والأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله: { غَيْرَ مسافحات } أي غير زوان { وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } جمع خدن ، كالأتراب جمع ترب ، والخدن الذي يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن . قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها ، والتي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدنا معينا ، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين ، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية ، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر ، ونص على حرمتهما معًا ، ونظيره أيضًا قوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الأعراف: 33 ] .
المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا ، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضًا شرطا ، وهذا ليس بشرط .
وجوابه: أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات ، بل على قوله: { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ولا شك أن كل ذلك واجب ، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا ، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم .