المسألة الثانية: قوله: { إِلا } فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع ، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل ، فكان «إلا» ههنا بمعنى «بل» والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض . الثاني: ان من الناس من قال: الاستثناء متصل وأضمر شيئًا ، فقال التقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، وإن تراضيتم كالربا وغيره ، إلا أن تكون تجارة عن تراض .
واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة ، فقد يحل أيضًا المال المستفاد من الهبة والوصية والارث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات ، فان أسباب الملك كثيرة سوى التجارة .
فان قلنا: إن الاستثناء منقطع فلا إشكال ، فانه تعالى ذكر ههنا سببًا واحد ، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها ، لا بالنفي ولا باثبات .
وإن قلنا: الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل ، وعند هذا لا بد إما من النسخ أو التخصيص .
المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمة الله عليه: النهي في المعاملات يدل على البطلان ، وقال أبو حنيفة Bه: لا يدل عليه ، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه: الأول: أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى ، فاذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الانسان وكيلا في بعض التصرفات ، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع ، فاذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى . وثانيها: أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود ، وإما أن لا تكون فان كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة . والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود ، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها ، قياسا على التصرفات الصحيحة ، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد ، فثبت أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين . فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال ، وثالثها: أن قوله: لا تبيعوا الدرهم بدرهمين ، كقوله: لا تبيعوا الحر بالعبد ، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول ، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيدًا للحكم ، والله أعلم .
المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمة الله عليه ، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة ، وقال الشافعي رحمة الله عليه: ثابت ، احتج أبو حنيفة بالنصوص: أولها: هذه الآية ، فان قوله: { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي ، سواء حصل التفرق أو لم يحصل . وثانيها: قوله: { أَوْفُواْ بالعقود } فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه . وثالثها: قوله E: