وأقول: الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم .
المسألة الثانية: اختلف أصحابنا قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب ، فان ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه ، فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها ، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين . وقال بعض أصحابنا: تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها؟ فيه احتمال ، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها ، أو يضربها .
ثم قال تعالى: { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقًا على سبيل التعنت والايذاء { إِنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } وعلوه لا بعلو الجهة ، وكبره لا بكبر الجثة ، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات . وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن ، وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان ، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن ، وأكبر درجة منهن . الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم . فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء ، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق . الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فإنهن لا يقدرن على ذلك . الرابع: أنه مع علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها . الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر ، ولم يهتك السرائر ، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض .