أما رعاية الأمانة مع الرب: فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمة ، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم . وقال ابن عمر Bهما: إنه تعالى خلق فرج الانسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها ، واعلم أن هذا باب واسع ، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها ، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام ، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي ، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها ، وكذا القول في جميع الأعضاء .
وأما القسم الثاني: وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع ، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن ، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم ، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة ، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم ، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد A ، ونهيهم عن قولهم للكفار: إن ما أنتم عليه أفضل من دين محمد A ، ويدخل فيه أمر الرسول E برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها ، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره . وفي إخبارها عن انقضاء عدتها .
وأما القسم الثالث: وهو أمانة الانسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والاصلح له في الدين والدنيا ، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة ، ولهذا قال E:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"فقوله: { يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أهلها } يدخل فيه الكل ، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرضوالجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان } [ الأحزاب: 72 ] وقال: { والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } [ المؤمنون: 8 ] وقال: { وَلاَ تَخُونُواْ أماناتكم } [ الأنفال: 27 ] وقال E:"لا أيمان لمن لا أمانة له"وقال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الامانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي: لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية: { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري مجرى المال؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير .
المسألة الثالثة: الامانة مصدر سمي به المفعول ، ولذلك جمع فانه جعل اسما خالصا . قال صاحب «الكشاف» : قرىء ( الأَمانة ) على التوحيد .
المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي: من الامانات الودائع ، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة . وعن بعض السلف أنها مضمونة ، روى الشعبي عن أنس قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي ، فضمنني عمر بن الخطاب Bه . وعن أنس قال: كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت ، فقال عمر: ذهب لك معها شيء؟ قلت لا ، فألزمني الضمان ، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال رسول الله A: