فهرس الكتاب

الصفحة 2275 من 8321

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر النبيين ، ثم ذكر أوصافا ثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين ، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين ، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها ، قال بعضهم: هذه الصفات كلها لموصوف واحد ، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقًا وشهيدًا وصالحا . وقال الآخرون: بل المراد بكل وصف صنف من الناس ، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم ، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات ، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث:

الصفة الأولى: الصديق: وهو اسم لمن عادته الصدق ، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل ، كما يقال: سكير وشريب وخمير ، والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين ، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق ، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب .

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في الصديق وجوه: الأول: أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق ، والدليل عليه قوله تعالى: { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون } [ الحديد: 19 ] . الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي E . الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول E فصار في ذلك قدوة لسائر الناس ، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان أنه سبق إلى تصديق الرسول E فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول E أنه قال: « ما عرضت الاسلام على أحد إلا وله كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم » دل هذا الحديث على أنه A لما عرض الاسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف ، فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال: إن النبي A قصر حيث أخر عرض الاسلام عليه ، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر ، بل يكون قدحا في الرسول A وذلك كفر ، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه A ما قصر في عرض الاسلام عليه ، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه A ما قصر في عرض الاسلام عليه ، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف ألبتة ، فحصل من مجموع الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما ، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال: إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر ، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت ، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبيًا صغيرًا ، وكان أيضا في تربية الرسول E ، وكان شديد القرب منه بالقرابة ، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الاسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت