فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 8321

والدرجة الثانية: أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته ، أو يتشرف بقبول تكاليفه ، أو يتشرف بالانتساب إليه ، وهذه الدرجة أعلى من الأولى ، إلا أنها أيضًا ليست كاملة ، لأن المقصود بالذات غير الله .

والدرجة الثالثة: أن يعبد الله لكونه إلهًا وخالقًا ، ولكونه عبدًا له ، والإلهية توجب الهيبة والعزة ، والعبودية توجب الخضوع والذلة ، وهذا أعلى المقامات وأشرف الدرجات ، وهذا هو المسمى بالعبودية ، وإليه الإشارة بقول المصلي في أول الصلاة أصلي لله ، فإنه لو قال أصلي لثواب الله ، أو للهرب من عقابه فسدت صلاته .

واعلم أن العبادة والعبودية مقام عالٍ شريف ، ويدل عليه آيات: الأولى: قوله تعالى في آخر سورة الحجر: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر: 97 99 ] والاستدلال بها وجهين: أحدهما: أنه قال: { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } فأمر محمدًا E بالمواظبة على العبادة إلى أنه يأتيه الموت ، ومعناه أنه لا يجوز الإخلال بالعبادة في شيء من الأوقات ، وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة ، وثانيهما: أنه قال: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء: التسبيح: وهو قوله فسبح؛ والتحميد: وهو قوله بحمد ربك؛ والسجود: وهو قوله: { وَكُنْ مّنَ الساجدين } والعبادة؛ وهي قوله: { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } ؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب ، وتفيد انشراح الصدر ، وما ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق ، وذلك يوجب زوال ضيق القلب .

الآية الثانية: في شرف العبودية: قوله تعالى: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا } [ الإسراء: 1 ] ولولا أن العبودية أشرف المقامات ، وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج ، ومنهم من قال: العبودية أشرف من الرسالة ، لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق ، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق ، وأيضًا بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات ، وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات ، واللائق بالعبد والانعزال عن التصرفات ، وأيضًا العبد يتكفل المولى بإصلاح مهماته ، والرسول هو المتكفل بإصلاح مهمات الأمة ، وشتان ما بينهما .

الآية الثالثة: في شرف العبودية: أن عيسى أول ما نطق قال: { إِنّى عَبْدُ الله } [ مريم: 30 ] وصار ذكره لهذه الكلمة سببًا لطهارة أمه ، ولبراءة وجوده عن الطعن ، وصار مفتاحًا لكل الخيرات ، ودافعًا لكل الآفات ، وأيضًا لما كان أول كلام عيسى ذكر العبودية كانت عاقبته الرفعة ، كما قال تعالى: { وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } [ آل عمران: 55 ] والنكتة أن الذي ادعى العبودية بالقول رفع إلى الجنة ، والذي يدعيها بالعمل سبعين سنة كيف يبقى محرومًا عن الجنة .

الآية الرابعة: قوله تعالى لموسى عليه السلام: { إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى } [ طه: 14 ] أمره بعد التوحيد بالعبودية ، لأن التوحيد أصل ، والعبودية فرع ، والتوحيد شجرة؛ والعبودية ثمرة ، ولا قوام لأحدهما إلا بالآخر ، فهذه الآيات دالة على شرف العبودية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت