وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما .
المسألة الثالثة: اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين ، قال A: « المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته ، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: { حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } فانه تعالى لم يقل: حتى يهاجروا عن الكفر ، بل قال: { حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر ، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة ، بل قيده بكونه في سبيل الله ، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام ، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا ، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى .
ثم قال تعالى: { فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } [ النساء: 89 ] . والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم اذا قدرتم عليهم ، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم ، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة وليًا يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم .
واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين الأول في قوله تعالى: