المسألة الثامنة: مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل . وقال الأصم وابن عطية: ديتها مثل دية الرجل . حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك ، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل ، فكذلك في الدية . وحجة الأصم قوله تعالى: { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة ، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية ، والله أعلم .
المسألة التاسعة: انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين: الثلث في السنة ، والثلثان في السنتين ، والكل في ثلاث سنين . استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا .
المسألة العاشرة: لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية ، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى . روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا ، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه ، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول A أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها ، فقضى عمر بذلك ، وإذ قد ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } معناه فعليه تحرير رقبة ، والتحرير عبارة عن جعله حرا ، والحر هو الخالص ، ولما كان الانسان في أصل الخلقة خلق ليكون مالكا للأشياء كما قال تعالى: { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها ، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريرًا ، أي تخليصا لذلك الانسان عما يكدر إنسانيته ، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق ، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الاسلام عند الفقهاء ، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت ، وقد ذكرنا هذه المسألة . وقوله: { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي ، والأصل ودية فحذفت الواو يقال: ودى فلانا فلانا ، أي أدى ديته إلى وليه ، ثم إن الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ما يؤدى في بدل المتلفات ، ودون ما يؤدى في بدل الاطراف والاعضاء .