ثم قال تعالى: { فَإِذَا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين: أولهما: بيان القصر وهو صلاة السفر ، والثاني: صلاة الخوف ، ثم إن قوله { فَإِذَا اطمأننتم } يحتمل نقيض الأمرين ، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافرًا بل يصير مقيمًا ، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة ، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب ، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف ، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها ، ولا تغيروا شيئًا من أحوالها وهيآتها ، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا } أي فرضًا موقتًا ، والمراد بالكتاب هاهنا المكتوب كأنه قيل: مكتوبة موقوتة ، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر ، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة ، يقال: وقته ووقته مخففًا ، وقريء { وَإِذَا الرسل وقتت } [ المرسلات: 11 ] بالتخفيف .
واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة ، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات ، وهي خمسة: أحدها: قوله تعالى { حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة: 238 ] فقوله { الصلوات } يدل على وجوب صلوات ثلاثة ، وقوله { والصلاة الوسطى } يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار ، فلا بدّ وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة ، وإلا لم يحصل فيها وسطى ، فلا بدّ من جعلها خمسة لتحصل الوسطى ، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر ، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة ، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلّت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها . وثانيها: قوله تعالى: { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر }