« كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله » وقيل لسفيان الثوري: ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } فهو هذا بعينه ، أما مسعت الله يقول { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } [ العصر: 1 ، 2 ] فهو هذا بعينه .
ثم قال تعالى: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغاء مَرْضَاتَ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته ، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النيّة ، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ البينه: 5 ] وقوله { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } [ النجم: 39 ] وقوله E: « إنما الأعمال بالنيات » وهاهنا سؤالان:
السؤال الأول: لم انتصب { ابتغاء مرضات الله } ؟
والجواب: لأنه مفعول له ، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله .
السؤال الثاني: كيف قال { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } ثم قال { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } .
والجواب: أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى ، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضًا فعل من الأفعال .