فهرس الكتاب

الصفحة 2386 من 8321

« كل مولود يولد على الفطرة » ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه .

والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حرامًا أو الحرام .

القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، وذكروا فيه وجوهًا الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي A: « لعن الله الواصلات والواشمات » قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني: روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا عوروا عين فحلها . الثالث: قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق الله ، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى ، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش ، والنقصان ، والبطلان . فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو قوله { وَلأمَنّيَنَّهُمْ } وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام } وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة ، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله { وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى ، ومن المعلوم أن من بقي مواظبًا على طلب اللذات العاجلة معرضًا عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة ، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة ، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا ، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر ، وهي متوجهة إلى عالم القيامة ، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بدّ من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييرًا للخلقة ، وهو كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت