وأما قوله { حَنِيفًا } ففيه بحثان: الأول: يجوز أن يكون حالًا للمتبوع ، وأن يكون حالًا للتابع ، كما إذا قلت: رأيت راكبًا ، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالًا للمرئي والرائي .
البحث الثاني: الحنيف المائل ، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها ، لأن ما سواه باطل ، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن ، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيدًا من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريبًا من الباطل الذي يجانسه ، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلًا عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة .
فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد E نفس شرع إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد E صاحب شريعة مستقلة ، وأنتم لا تقولون بذلك .
قلنا: يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد E مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة .
ثم قال تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها ، وفيه وجهان: الأول: أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلًا كان جديرًا بأن يتبع خلقه وطريقته . والثاني: أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفًا ثم قال عقيبه { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلًا } أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلًا لأنه كان عالمًا بذلك الشرع آتيًا بتلك التكاليف ، ومما يؤكد هذا قوله { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة: 124 ] وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إمامًا للخلق لأنه أتم تلك الكلمات .
وإذ ثبت هذا فنقول: لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلًا لله تعالى بسبب أنه كان عاملًا بتلك الشريعة كان هذا تنبيهًا على أن من عمل بهذا الشرع لا بدّ وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين ، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين .
فإن قيل: ما موقع قوله { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلًا }
قلنا: هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب ، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله:
والحوادث جمة ... والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام ، والأمر ههنا كذلك على ما بيناه .
المسألة الثانية: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهًا: الأول: أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره ، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه ، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة .