« اللّهم اجعل في قلبي نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا وفي عصبي نورًا » . المسألة الثالثة: قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعزاز والتشريف ، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف .
وجوابه: أن الفرق أن كونه خليلًا عبارة عن المحبة المفرطة ، وذلك لا يقتضي الجنسية ، أما الابن فإنه مشعر بالجنسية ، وجلّ الإله عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات .
ثم قال تعالى: { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها ، وفيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين ، وكيف يعقل ذلك وله ملك السموات والأرض ، وما كان كذلك ، فكيف يعقل أن يكون محتاجًا إلى البشر الضعيف ، وإنما اتخذه خليلًا بمحض الفضل والإحسان والكرم ، ولأنه لما كان مخلصًا في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف ، والحاصل أن كونه خليلًا يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام . والثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعًا كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، فبيّن هاهنا أنه إله المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ، ومن كان كذلك كان ملكًا مطاعًا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه . الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلاّ عند حصول أمرين: أحدهما: القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات . والثاني: العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء ، فدل على كمال قدرته بقوله { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } وعلى كمال علمه بقوله { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطًا } الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له ، وذلك لأنه له ما في السموات وما في الأرض ، ويجري هذا مجرى قوله { إِن كُلُّ مَن فِى السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْدًا }