فهرس الكتاب

الصفحة 2409 من 8321

فإن قيل: إنه تعالى قال: { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمًَا بالقسط } [ آل عمران: 18 ] فقدم الشهادة على القيام بالقسط ، وههنا قدم القيام بالقسط ، فما الفرق؟

قلنا: شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقًا للمخلوقات ، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات ، فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط ، أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعيًا للعدل ومباينًا للجور ، ومعلوم أنه ما لم يكن الإنسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة ، فثبت أن الواجب في قوله { شَهِدَ الله } أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب ههنا أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط ، ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد ، الإلهي والله أعلم .

ثم قال تعالى: { إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فالله أولى بِهِمَا } أي إن يكن المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير ، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما ، وكان من حق الكلام أن يقال: فالله أولى به ، لأن قوله { إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا } في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ ، أي الله أولى بالفقير والغني ، وفي قراءة أُبي فالله أولى بهم ، وهو راجع إلى قوله { أَوِ الوالدين والأقربين } وقرأ عبد الله: إن يكن غني أو فقير ، على ( كان ) التامة .

ثم قال تعالى: { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ } والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل ، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ، فتقدير الآية: فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا .

ثم قال تعالى: { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور { وَإِن تَلْوُواْ } بواوين ، وقرأ ابن عامر وحمزة { تلوا } وأما قراءة تلووا ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم: لواه حقه إذا مطله ودفعه . الثاني: أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم: لوى الشيء إذا فتله ، ومنه يقال: التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيهًا بالشيء المنفتل ، وأما { تلوا } ففيه وجهان: الأول: أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به ، والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيرًا فيجازى المسحن المقبل بإحسانه والمسيء المعرض بإساءته ، والحاصل: إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها ، والثاني: قال الفرّاء والزجاج: يجوز أن يقال: { تلوا } أصله تلووا ثم قلبت الواو همزة ، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار { تَلْوُواْ } وهذا أضعف الوجهين ، وأما قوله { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيرًا } فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت