{ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤن } [ البقرة: 14 ] وذلك يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه .
ثم قال تعالى: { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } وفيه سؤالان: الأول: أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطًا بما قبل التوبة أو بما بعدها ، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق ، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية . والثاني: أيضًا باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور ، ولو كان ذلك بعد ألف مرة ، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم .
والجواب عنه من وجوه: الأول: أنا لا نحمل قوله { إِنَّ الذين } على الاستغراق ، بل نحمله على المعهود السابق ، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } إخبار عن موتهم على الكفر ، وعلى هذا التقدير زال السؤال . الثاني: أن الكلام خرج على الغالب المعتاد ، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم ، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه . الثالث: أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر ، وقول السائل: إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة .
قلنا: إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله { وَإِذ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب: 7 ] خصهما بالذكر لأجل التشريف ، وكذلك قوله { وَمَلَئِكَتُهُ . . . وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] .
السؤال الثاني: في قوله { لِيَغْفِرَ لَهُمْ } اللام للتأكيد فقوله { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } يفيد نفي التأكيد ، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي ، فما الوجه فيه؟
والجواب: أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي .
ثم قال تعالى: { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا } قال أصحابنا: هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافًا للمعتزلة ، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف ، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة .
ثم قال تعالى: { بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بيّن أنه لا يغفر لهم كفرهم ولا يهديهم إلى الجنة ، ثم قال: وكما لا يوصلهم إلى دار الثواب فإنه مع ذلك يوصلهم إلى أعظم أنواع العقاب ، وهو المراد من قوله { بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وقوله { بُشّرَ } تهكم بهم ، والعرب تقول: تحيتك الضرب ، وعتابك السيف . ثم قال تعالى: